تخيل معي هذا المشهد: نحن في ليلة عاصفة من ليالي مايو عام 1821، في جزيرة “سانت هيلينا” المعزولة في وسط المحيط الأطلسي، حيث تصططم الأمواج بالصخور السوداء كأنها سياج سجن أبدي. في منزل رطب ومتهالك يُدعى “لونغوود”، يرقد الرجل الذي ركعت أوروبا تحت قدميه يوماً ما.
لكنه الآن ليس إمبراطوراً؛ هو شبح. جسده منتفخ، بشرته شاحبة كالشمع، ويصرخ من ألم يحرق أحشاءه كالجمر. الأطباء حوله حائرون، والحراس الإنجليز يترقبون أنفاسه الأخيرة ببرود. نابليون بونابرت يلفظ أنفاسه، وهو مقتنع تماماً بأنه يُقتل.
قبل أن يغمض عينيه للأبد، همس بكلمات خُلدت في وصيته: “أنا أموت قبل أواني، مقتولاً على يد الأوليغارشية الإنجليزية وأجيرها القاتل”.
هل كان يهذي؟ أم أنه كان يعرف سراً تكشفه التكنولوجيا الحديثة اليوم؟ في هذا المقال، لن نسرد تواريخ المعارك، بل سنفتح ملف “القضية الباردة” لأشهر وفاة في التاريخ، لنكتشف القاتل الخفي الذي قد يكون… لون غرفته!
ما الذي لا يعرفه الجميع؟
- الزرنيخ في الشعر: أثبتت تحليلات الطب الشرعي الحديثة وجود مستويات من الزرنيخ في شعر نابليون تصل إلى 100 ضعف المعدل الطبيعي، مما يرجح فرضية التسمم المزمن.
- القاتل الأخضر: ورق الجدران في غرفة نومه كان مصبوغاً بـ “أخضر شيل”، وهي صبغة كيميائية تطلق غازات سامة عند تعرضها لرطوبة الجزيرة العالية.
- الجثة المنتهكة: بعد التشريح، لم يسلم جسد نابليون من العبث؛ فقد تم استئصال أجزاء من جسده وتداولها كـ “تذكارات” غريبة في مزادات سرية لسنوات طويلة.
سجن “لونغوود” – القبر المفتوح
عندما نفي نابليون بونابرت إلى جزيرة سانت هيلينا، لم يختر الإنجليز له مكاناً للاستجمام أو التقاعد الهادئ. كان اختيارهم مدروساً بعناية ليكون عقاباً نفسياً وجسدياً.
منزل “لونغوود”، الذي خُصص لإقامته، كان يقع في أكثر مناطق الجزيرة كآبة وعزلة. إنه مكان تعصف به الرياح باستمرار، حيث الضباب دائم لا ينقشع، والرطوبة العالية تنخر العظام والأثاث على حد سواء.
تذكر المذكرات التاريخية لرفاق المنفى تفاصيل مقززة عن الحياة اليومية هناك؛ فقد كانت الفئران تجري بوقاحة بين أقدام الضيوف أثناء تناول العشاء، وكانت الرطوبة تتسبب في تعفن الملابس داخل الخزائن، وتقشر الطلاء، وتساقط ورق الجدران الفاخر الذي أحضره نابليون معه.
لكن ما لم يدركه أحد حينها، هو أن هذا المناخ الرطب لم يكن مجرد إزعاج بيئي. لقد كان البيئة المثالية “لحاضنة كيميائية” قاتلة. الرطوبة والحرارة والعفن شكلوا معاً بداية لتفاعل كيميائي لم يخطر على بال علماء القرن التاسع عشر، تفاعل سيحول غرفة نوم الإمبراطور ببطء إلى غرفة غاز صامتة.
الأعراض الغامضة – الموت بالتقسيط
بين عامي 1816 و1821، شهد العالم تدهوراً دراماتيكياً وسريعاً لصحة الرجل الحديدي. المذكرات الطبية لطبيبه الخاص “فرانسيسكو أنطومارشي”، بالإضافة إلى تقارير الجراحين الإنجليز، تصف تدهوراً مرعباً لا يتناسب مع رجل في أوائل الخمسينيات من عمره.
صراخ في صمت
عانى نابليون من أعراض حيرت الجميع:
- ألم مبرح في المعدة: كان يصفه بأنه “شفرات تقطع أحشاءه”، وهو ما يفسر وضعيته الشهيرة بوضع يده داخل معطفه للضغط على مكان الألم.
- ضعف شديد في الساقين: وصل لدرجة عدم قدرته على المشي لخطوات قليلة.
- نوبات من القيء الأسود: إشارة لنزيف داخلي حاد.
- قشعريرة لا تتوقف: ونوبات من التعرق البارد المفاجئ.
في البداية، شخص الأطباء الإنجليز حالته باستخفاف، مدعين أنه “يتظاهر بالمرض” لاستعطاف أوروبا والهروب من المنفى. ولكن عندما ساءت الحالة، غيروا التشخيص إلى “سرطان المعدة”، مبررين ذلك بأنه نفس المرض الذي قتل والده، وبالتالي فهو وراثي.
الجثة التي رفضت أن تتعفن
لكن، هناك لغز حير العلماء عند استخراج جثته عام 1840 (أي بعد 19 عاماً من وفاته) لنقلها إلى فرنسا. عند فتح التابوت، صُدم الحاضرون بأن جثة نابليون كانت في حالة حفظ مذهلة، وكأنه مات بالأمس فقط، بينما تآكلت ملابسه العسكرية!
هل يفسر السرطان هذا الحفظ؟ بالطبع لا. التفسير العلمي الوحيد هو وجود مادة حافظة قوية في أنسجته. والزرنيخ، يا سادة، هو مادة سمية وفي الوقت نفسه مادة قوية لحفظ الأنسجة من التحلل!
علم السموم الحديث – الـ FBI يدخل التاريخ

ظلت قضية وفاة نابليون مجرد تكهنات حتى ستينيات القرن الماضي، عندما حدث تطور يشبه سيناريوهات أفلام الخيال العلمي.
طبيب أسنان سويدي مهووس بالتاريخ يُدعى “ستن فورسهوفود” قرأ مذكرات خادم نابليون، ولاحظ أن الأعراض الموصوفة تتطابق تماماً مع أعراض التسمم بالزرنيخ، وليس السرطان.
الدليل في الخصلة
نجح هذا الطبيب في الحصول على خصلات أصلية من شعر نابليون، كانت قد قُصت منه في فترات مختلفة وأعطيت كتذكارات لرفاقه. وبالتعاون مع علماء السموم في جامعة غلاسكو، تم تعريض الشعر لتقنية متطورة جداً تسمى “تحليل التنشيط النيوتروني”.
النتيجة كانت صادمة وغيرت مجرى التاريخ: احتوى شعر نابليون على مستويات من الزرنيخ تتجاوز الحد الآمن بـ 100 مرة!
نمط التسميم
الأكثر إثارة في التحليل لم يكن وجود الزرنيخ فحسب، بل توزيعه. أظهر التحليل أن الزرنيخ لم يكن متراكماً بشكل ثابت (مما يعني تعرضاً بيئياً دائماً)، بل كان توزيعه “متموجاً” على طول الشعرة.
هذا يعني أن الإمبراطور كان يتعرض لجرعات عالية ومتقطعة في أوقات محددة، ثم يتوقف التعرض، ثم يعود. هذا النمط يعزز بقوة نظرية: التسميم المتعمد والممنهج.
لغز “أخضر شيل” – القاتل الأنيق
بينما تشير أصابع الاتهام للبشر، هناك قاتل آخر صامت كان يحيط بنابليون من كل جانب. في القرن التاسع عشر، اجتاح أوروبا هوس بلون جديد يسمى “الأخضر الزمردي”.
كان هذا اللون يُصنع باستخدام مركب كيميائي رخيص وزاهي اللون يسمى “أخضر شيل”، وهو كيميائياً عبارة عن “زرنيخيت النحاس”. استخدمه الناس في كل شيء: الفساتين، طلاء الألعاب، وحتى تلوين الحلوى، وبالطبع ورق الجدران.
الموت من الجدار
كانت غرفة نوم نابليون في “لونغوود” مغطاة بهذا الورق الأخضر الفاخر المزخرف بالذهب. وهنا لعب مناخ سانت هيلينا دوره القاتل.
في ظل الرطوبة العالية جداً (التي تصل إلى 90%)، نما نوع خفي من الفطريات العفنة خلف ورق الجدران. هذا العفن كان يستهلك النشا الموجود في غراء الورق، وأثناء عملية الهضم، كان يقوم بتحليل صبغة الزرنيخ كيميائياً.
النتيجة كانت انبعاث غاز فتاك لا لون له ولا رائحة واضحة يسمى “ثلاثي ميثيل الزرنيخ”.
تخيل المشهد المرعب: الإمبراطور ينام كل ليلة لساعات طويلة، ويستنشق بعمق هذا الغاز السام، معتقداً أن الهواء النقي يدخل من النافذة، بينما كانت جدران غرفته هي التي تبث السم في رئتيه ببطء، ليلة تلو الأخرى.
نظرية المؤامرة – الخائن في الداخل
إذا افترضنا أن ورق الجدران ساهم في مرضه، فإن التذبذب في مستويات الزرنيخ في شعره يشير إلى تدخل بشري مباشر. وهنا تتجه الأنظار نحو الكونت “تشارلز دي مونثولون”، رفيق نابليون في المنفى والمسؤول عن إدارة المنزل.
لماذا قد يقتل مونثولون سيده؟ المؤرخون الجنائيون يضعون ثلاثة دوافع قوية:
- الدافع الشخصي (الغيرة): كان نابليون زير نساء حتى في منفاه، وتشير العديد من المصادر إلى أنه أقام علاقة غرامية مع “ألبين”، زوجة مونثولون، بل ويشاع أنها أنجبت طفلاً يحمل ملامح نابليون.
- المصلحة المالية: كان مونثولون غارقاً في الديون، وكان يعلم أنه سيرث مبلغاً ضخماً من نابليون بمجرد وفاته. كل يوم يعيشه نابليون كان يعني تأخير الميراث وخطر الإفلاس.
- الفرصة السانحة: كان مونثولون هو المسؤول الحصري عن “قبو النبيذ”. والزرنيخ مادة مثالية للاغتيال لأنها بلا طعم أو رائحة عند مزجها بالنبيذ القوي الذي كان يفضله نابليون.
ما بعد الموت – القصة المرعبة للأجزاء المفقودة
لعل الجزء الأكثر صدمة في هذه التراجيديا ليس كيف مات نابليون، بل ما حدث لجسده بعد موته. لم يحصل جسد الإمبراطور على “حرمة الموت” التي يستحقها.
أثناء عملية التشريح، قام الطبيب “أنطومارشي” بانتزاع قلبه ووضعه في وعاء من الفضة، وانتزع معدته لفحصها. لكن الأمر لم يتوقف عند الأغراض الطبية.
المزاد الغريب
تشير السجلات التاريخية والمزادات الحديثة إلى أن الطبيب (أو ربما الكاهن فينيالي الذي كان حاضراً) قد قطع أجزاء أخرى من جسد نابليون خلسة، بما في ذلك “عضوه الذكري”.
نعم، لقد قرأت ذلك بشكل صحيح. هذا الجزء بالتحديد من جسد فاتح أوروبا تحول إلى “تحفة” تتنقل بين جامعي الآثار لقرون!
- في عام 1916، اشترت شركة كتب بريطانية هذا الجزء.
- تم عرضه لاحقاً في متحف للفنون الفرنسية في نيويورك، حيث وصفته مجلة “تايم” بسخرية مؤلمة بأنه يشبه “رباط حذاء مجفف”.
- في عام 1977، بيع في مزاد بباريس لطبيب مسالك بولية أمريكي شهير يدعى “جون لاتيمر”.
احتفظ لاتيمر بهذا الجزء تحت سريره في حقيبة جلدية، رافضاً عرضه للجمهور احتراماً (أو هوساً)، ولا يزال حتى اليوم في حوزة عائلته. هذه الحقيقة الصادمة تكشف كيف تجردت العظمة الإمبراطورية من هيبتها لتصبح مجرد قطع غريبة تباع وتشترى في المزادات!
الربط بالواقع – لماذا يهمنا هذا اليوم؟

قد تسأل نفسك الآن: “ما علاقتي بوفاة رجل مات قبل 200 عام؟” الإجابة تكمن في أن قصة نابليون هي الدرس الأول والأقسى في “السلامة البيئية والمنزلية”.
إن اكتشاف سمية “أخضر شيل” في ورق جدران نابليون وغيره من ضحايا العصر الفيكتوري كان الشرارة التي أطلقت ثورة قوانين حماية المستهلك.
اليوم، عندما تقرأ تحذيرات على علب الدهانات، أو عندما يُمنع استخدام الرصاص في ألعاب الأطفال، أو تتم إزالة “الأسبستوس” من المباني، فهذا بفضل الدروس المستفادة من التاريخ الكيميائي.
إن “مأساة نابليون” قد تتكرر بصمت في بيوتنا الحديثة تحت مسمى “متلازمة المباني المريضة”، عندما نستخدم مواد بناء رخيصة أو غير مفحوصة تطلق غازات ضارة.
موت نابليون لم يكن مجرد حدث سياسي طوى صفحة إمبراطورية، بل كان إنذاراً مبكراً للبشرية حول المخاطر الكيميائية التي ندعوها لتدخل غرف نومنا بإرادتنا. كما أن استخدام الطب الشرعي لحل ألغاز التاريخ يفتح الباب اليوم لإعادة كتابة التاريخ بدقة تتجاوز تحيز المؤرخين وأكاذيب المنتصرين.
الخلاصة – فلسفة القوة والضعف
في النهاية، نابليون بونابرت، الرجل الذي غير خرائط العالم بمدفعيته، وكتب دساتير لا تزال سارية، لم تهزمه جيوش أوروبا مجتمعة في ساحة المعركة بقدر ما هزمته غرفة رطبة ومركب كيميائي مجهري.
سواء قتله السرطان، أو اغتاله خائن، أو خنقته جدران غرفته، تظل الحقيقة الفلسفية واحدة: أعظم القوى البشرية قد تكون أوهن مما نتخيل أمام قوى الطبيعة الصامتة.
السؤال الذي نتركه لك عزيزي القارئ: إذا كان التاريخ قد كذب علينا بشأن وفاة أشهر رجل فيه لمدة قرنين، فما هي الحقائق الأخرى التي نعتبرها “مسلمات” وهي محض أكاذيب؟
أسئلة شائعة عن نابليون بونابرت
هل كان نابليون بونابرت قصيراً حقاً كما يشاع؟
في الواقع، هذه واحدة من أشهر الشائعات الخاطئة. طول نابليون كان حوالي 1.68 متر، وهو متوسط طول الرجل الفرنسي في ذلك الوقت. الشائعة جاءت بسبب اختلاف وحدات القياس بين الفرنسيين والإنجليز، ولأن حراسه الشخصيين كانوا عمالقة، فبدا قصيراً بجانبهم.
ما هو السبب الرسمي لوفاة نابليون؟
السبب الرسمي المسجل في شهادة الوفاة هو سرطان المعدة، وهو نفس المرض الذي توفي به والده. لكن الجدل العلمي حول التسمم بالزرنيخ لا يزال قائماً بقوة كسبب مساهم أو رئيسي.
أين يوجد قبر نابليون الآن؟
بعد دفنه في سانت هيلينا لمدة 19 عاماً، تم استخراج جثته عام 1840 في حدث مهيب يسمى “عودة الرماد”، وهو يرقد الآن في تابوت ضخم من الكوارتزيت الأحمر تحت قبة “ليزانفاليد” في باريس.
لماذا كانت يد نابليون دائماً داخل معطفه؟
هناك نظريات عديدة، منها أنه كان يعاني من ألم مزمن في المعدة وكان يضغط عليها لتخفيفه، لكن الأرجح أنها كانت مجرد “وضعية تصوير” (Pose) شائعة في اللوحات الكلاسيكية في القرن الثامن عشر لتدل على الوقار والرزانة، وليست دليلاً على مرض.
