هل يمكن لرجل واحد أن يُسقط سلالة حاكمة بأكملها؟ كيف استطاع فلاح بسيط من سيبيريا أن يصبح أقوى رجل في روسيا القيصرية؟ بين الأساطير المرعبة والحقائق الغامضة، يبقى راسبوتين أحد أكثر الشخصيات إثارةً للجدل في التاريخ. فهل كان قديسًا معجزيًا أم دجالًا خطيرًا؟ تابع القراءة لاكتشاف الحقيقة وراء أسطورة راسبوتين التي لا تزال تلاحقه حتى اليوم.
راسبوتين: الراهب الغامض الذي غير مجرى التاريخ
هل كان قديسًا أم دجالًا؟
على مدار التاريخ، ظهرت شخصيات غامضة أثارت الجدل وحيرت المؤرخين، لكن قلة منهم يمكن أن تضاهي غموض غريغوري راسبوتين. كان رجلًا بسيطًا من أرياف روسيا، لكنه أصبح واحدًا من أكثر الشخصيات نفوذًا في البلاط الإمبراطوري. البعض يراه راهبًا مقدسًا صاحب قوى خارقة، والبعض الآخر يصفه بـ المخادع الذي تسبب في انهيار سلالة رومانوف.
كيف استطاع هذا الرجل الوصول إلى قلب العائلة الحاكمة؟ وما سر اغتياله المثير للجدل؟ في هذا المقال، سنكشف الحقائق وراء الأسطورة، ونفصل بين ما هو حقيقي وما هو مجرد خرافة.
استعد لرحلة عبر الزمن، حيث سنعود إلى أواخر القرن التاسع عشر، ونغوص في تفاصيل حياة هذا الرجل الذي حير العالم!
من هو راسبوتين؟
نشأته وحياته المبكرة
وُلد غريغوري يفيموفيتش راسبوتين عام 1869 في قرية بوكروفسكوي النائية، الواقعة في سيبيريا، روسيا. كانت حياته في البداية عادية جدًا، فهو ابن فلاح بسيط يعيش في بيئة قاسية، حيث كانت الزراعة وتربية الماشية تشكل مصدر العيش الأساسي للسكان.
لكن على عكس أقرانه، أظهر راسبوتين منذ صغره اهتمامًا غير عادي بالدين والتصوف. كانت لديه قدرة غريبة على قراءة الناس والتأثير عليهم، مما جعله محط أنظار القرويين الذين رأوا فيه شخصًا مميزًا. كما كانت هناك شائعات مبكرة عن قدرته على الشفاء، وهو ما ساهم في تعزيز هالته الروحية.
ومع ذلك، لم يكن راسبوتين قديسًا نموذجيًا؛ فقد اشتهر أيضًا بسلوكه غير المنضبط، حيث قيل إنه كان يميل إلى حياة اللهو قبل أن يبدأ رحلته الروحية لاحقًا.
رحلته من الفلاح إلى البلاط الإمبراطوري
في العشرينيات من عمره، مر راسبوتين بتجربة دينية غيرت مسار حياته. قرر التخلي عن حياته القديمة والانطلاق في رحلة حج طويلة عبر روسيا، زار خلالها الأديرة والأماكن المقدسة. كان يبحث عن التنوير الروحي، وخلال هذه الفترة، اكتسب سمعة كـ راهب متجول صاحب رؤى دينية، وبدأ يجذب أتباعًا يعتقدون أنه يتمتع بقدرات خارقة.
في عام 1905، وصل راسبوتين إلى سانت بطرسبرغ، العاصمة الإمبراطورية لروسيا، حيث تم تقديمه إلى العائلة الحاكمة، آل رومانوف. كان ذلك اللقاء نقطة تحول في حياته، إذ تمكن من كسب ثقة الإمبراطورة ألكسندرا فيودوروفنا بعد أن قيل إنه ساعد في تخفيف معاناة ابنها أليكسي، الذي كان يعاني من الهيموفيليا (مرض نزف الدم الوراثي).
منذ تلك اللحظة، أصبح راسبوتين شخصية مؤثرة داخل القصر، ليس فقط بسبب قدراته المزعومة في الشفاء، ولكن أيضًا بسبب تأثيره الكبير على قرارات العائلة الحاكمة، مما جعله مثار جدل بين النبلاء والسياسيين في روسيا.
لكن كيف تحوّل من رجل دين بسيط إلى أكثر الشخصيات إثارة للجدل في الإمبراطورية الروسية؟ هذا ما سنكشفه في الأقسام التالية.
صعود راسبوتين إلى السلطة
علاقته بالعائلة الحاكمة
عندما وصل غريغوري راسبوتين إلى سانت بطرسبرغ عام 1905، لم يكن أكثر من راهب متجول يحمل أفكارًا صوفية ويثير الجدل بشخصيته الغامضة. لكنه سرعان ما استطاع التسلل إلى دوائر السلطة بفضل سمعته كرجل دين يمتلك قدرات خارقة.
تم تقديمه إلى العائلة الحاكمة الروسية، وخاصة الإمبراطورة ألكسندرا فيودوروفنا، التي كانت تعيش حالة من القلق الدائم بسبب مرض ابنها الوحيد، أليكسي نيكولايفيتش، الوريث الشرعي للعرش. أعجبت الإمبراطورة براسبوتين وشعرت بأنه شخص مرسل من الله لحماية ابنها. ومنذ تلك اللحظة، أصبح راسبوتين مقربًا جدًا من القيصر وعائلته، لدرجة أن الإمبراطورة اعتبرته مستشارها الشخصي والروحي.
دوره في شفاء أليكسي ابن القيصر
كان أليكسي، ابن القيصر نيكولاس الثاني، يعاني من الهيموفيليا، وهو اضطراب دموي خطير يجعل أي نزيف بسيط يشكل تهديدًا لحياته. في عام 1907، تعرض الطفل لنوبة نزيف حادة، وحين فشل الأطباء في إيقاف النزيف، لجأت الإمبراطورة إلى راسبوتين طلبًا للمساعدة.
وفقًا للروايات، قام راسبوتين بالدعاء من أجل أليكسي، وبشكل غير متوقع بدأ النزيف يتوقف. سواء كان ذلك بسبب التأثير النفسي على الإمبراطورة، أو بسبب تهدئته للطفل، إلا أن هذه الحادثة عززت اعتقاد العائلة المالكة بأن راسبوتين يمتلك قدرات خارقة للشفاء.
بعد هذه الحادثة، ازدادت قوة راسبوتين ونفوذه داخل القصر الإمبراطوري، وأصبح شخصًا لا يمكن الاستغناء عنه بالنسبة للإمبراطورة. كانت تستشيره في كل شيء، من شؤون الدولة إلى القرارات السياسية، مما أثار استياء النبلاء والمسؤولين في الحكومة.
تأثيره على السياسة الروسية
مع تزايد نفوذ راسبوتين، لم يقتصر دوره على كونه مرشدًا روحانيًا، بل بدأ يتدخل بشكل مباشر في السياسة الروسية، مما أثار غضب الطبقة الأرستقراطية.
- إقالة المسؤولين الحكوميين: أقنع راسبوتين الإمبراطورة بإقالة العديد من الوزراء والمسؤولين الذين كانوا يعارضونه، وتعيين أشخاص موالين له.
- تأثيره على القيصر: خلال الحرب العالمية الأولى، عندما غادر القيصر نيكولاس الثاني إلى الجبهة لقيادة الجيش، أصبحت ألكسندرا الحاكمة الفعلية لروسيا، وكانت تعتمد بشكل كامل على نصائح راسبوتين.
- إثارة العداء بين النبلاء: الكثير من أفراد البلاط رأوا أن راسبوتين فاسد ومخادع، واعتقدوا أنه يستغل نفوذه لتحقيق مكاسب شخصية، مما أدى إلى نشوء عداوات بينه وبين كبار الشخصيات السياسية.
كان تأثير راسبوتين على العائلة الحاكمة عميقًا، لكنه أثار موجة غضب واسعة في روسيا، مما جعله هدفًا للعديد من المؤامرات، والتي بلغت ذروتها في اغتياله الغامض. لكن كيف انتهت حياته؟ هذا ما سنكشفه في القسم القادم.
الجانب المظلم لراسبوتين
الفضائح والإشاعات
لم يكن راسبوتين مجرد رجل دين أو مستشار روحي للعائلة الحاكمة، بل كان شخصية مثيرة للجدل تحيط بها الكثير من الإشاعات والقصص الغريبة. في سانت بطرسبرغ، انتشرت أخبار عن حياته المزدوجة—فبينما كان يُنظر إليه على أنه رجل قديس داخل القصر، كان خارج البلاط معروفًا بسلوكه الفاسد وإدمانه على الملذات.
- قيل إنه كان يشارك في حفلات ماجنة، حيث كان يُشاهد وهو يشرب الخمر ويمارس طقوسًا غامضة مع أتباعه.
- انتشرت شائعات عن علاقاته النسائية المتعددة، بل إن البعض زعم أن له تأثيرًا غريبًا على نساء البلاط، بمن فيهن الإمبراطورة نفسها.
- أُشيع أنه كان جزءًا من طائفة دينية سرية تدعو إلى الخلاص الروحي من خلال ممارسة الخطايا أولًا، وهو ما أثار غضب الكنيسة الروسية.
سواء كانت هذه الادعاءات صحيحة أم مجرد دعاية من أعدائه، فإنها ساهمت في رسم صورة راسبوتين الرجل الفاسد الذي يتحكم في العائلة الحاكمة.
تأثيره على سقوط سلالة رومانوف
مع مرور الوقت، أصبح راسبوتين الشخصية الأكثر كرهًا في روسيا، ليس فقط بسبب حياته الشخصية المثيرة للجدل، ولكن بسبب تأثيره السياسي المدمر.
- عندما غادر القيصر نيكولاس الثاني إلى الجبهة خلال الحرب العالمية الأولى، تُركت الإمبراطورة ألكسندرا تحت سيطرة راسبوتين بالكامل، مما أدى إلى اتخاذ قرارات كارثية أضعفت الحكومة.
- تم تعيين وإقالة الوزراء بناءً على نصائحه، حتى أصبح النظام السياسي غير مستقر تمامًا.
- تصاعد سخط الشعب تجاه الحكم القيصري، حيث رأى الكثيرون أن راسبوتين رمز للفساد والانحلال، مما زاد من دعم الثورة التي أطاحت بعائلة رومانوف عام 1917.
في النهاية، لم يكن راسبوتين السبب الوحيد لسقوط الإمبراطورية الروسية، لكنه كان جزءًا أساسيًا من الأزمة السياسية التي أدت إلى نهايتها.
عداؤه مع النبلاء ورجال الدين
لم يكن كره راسبوتين مقتصرًا على عامة الشعب فقط، بل كان مكروهًا من قبل النبلاء ورجال الدين أيضًا.
- رجال الكنيسة الأرثوذكسية رأوا فيه دجالًا يُسيء إلى الدين، واتهموه بالتلاعب بالإمبراطورة لتحقيق مصالحه الشخصية.
- النبلاء الروس كانوا يعتبرونه تهديدًا مباشرًا لنفوذهم، خاصةً مع تأثيره على العائلة المالكة.
- حتى داخل البلاط، كان له أعداء أقوياء خططوا للتخلص منه بأي ثمن.
كل هذه العوامل جعلت راسبوتين هدفًا لمؤامرة دموية، والتي انتهت بقتله في واحدة من أغرب عمليات الاغتيال في التاريخ—لكن كيف حدث ذلك؟ هذا ما سنتحدث عنه في القسم التالي.
محاولة اغتيال راسبوتين ومقتله الغامض
المؤامرة ضده
مع تزايد نفوذ راسبوتين في البلاط الإمبراطوري، ازداد أيضًا عدد أعدائه. فقد رأى الكثيرون، خاصةً من النبلاء، أن وجوده يمثل خطرًا على روسيا، وأنه السبب في الفساد داخل الحكومة والانهيار السياسي.
في عام 1916، قرر مجموعة من النبلاء، بقيادة الأمير فيليكس يوسوبوف، والجنرال ديميتري بافلوفيتش، وأعضاء آخرين من الطبقة الأرستقراطية، التخلص منه نهائيًا. كانوا يعتقدون أن قتله قد يكون السبيل الأخير لإنقاذ روسيا من نفوذه المدمر.
تفاصيل ليلة مقتله
في ليلة 16 ديسمبر 1916 (حسب التقويم اليولياني، أو 29 ديسمبر وفقًا للتقويم الغريغوري)، تم استدراج راسبوتين إلى قصر الأمير يوسوبوف بحجة حضور حفلة خاصة. لكن ما حدث في تلك الليلة أصبح أحد أكثر جرائم الاغتيال غرابة في التاريخ.
🔸 المرحلة الأولى – السم القاتل:
قدم له يوسوبوف كعكًا ونبيذًا مسمومًا بكمية كبيرة من السيانيد، كانت كافية لقتل عدة رجال. لكن بشكل غير متوقع، لم يتأثر راسبوتين، واستمر في الحديث كأن شيئًا لم يكن!
🔸 المرحلة الثانية – إطلاق النار:
أدرك المتآمرون أن السم لم ينجح، فقام يوسوبوف بإطلاق النار عليه من مسافة قريبة، حيث سقط راسبوتين على الأرض بلا حراك. ظن الجميع أنه مات، وذهبوا للاحتفال بنجاح العملية.
🔸 المرحلة الثالثة – العودة من الموت!
بعد بضع دقائق، عاد يوسوبوف إلى الغرفة، ليفاجأ بـ راسبوتين ينهض فجأة ويدفعه بعيدًا! حاول الهروب عبر الفناء، لكنه لم يبتعد كثيرًا قبل أن يتم إطلاق النار عليه مرة أخرى، هذه المرة في الرأس.
🔸 المرحلة الرابعة – الغرق في نهر متجمد:
لم يكتفِ المتآمرون بذلك، بل قيدوا جسده وألقوه في نهر نيفا المتجمد. وعندما تم العثور على جثته لاحقًا، أظهرت الفحوصات أنه ربما كان لا يزال على قيد الحياة عند رميه في الماء، حيث وُجدت آثار محاولة خروجه من الجليد.
هل كان يمتلك قدرات خارقة كما يُقال؟
لطالما أحاط الغموض بشخصية راسبوتين، خاصةً بعد الطريقة غير العادية التي واجه بها الاغتيال. فهل كان مجرد رجل محظوظ؟ أم أنه كان يمتلك قدرات غير طبيعية كما يعتقد البعض؟
- البعض يرى أن مقاومته للسم كانت بسبب شربه المستمر للكحول، مما جعل جسمه أكثر قدرة على تحمل التأثيرات السامة.
- آخرون يعتقدون أن الأعيرة النارية الأولى لم تكن قاتلة مباشرةً، وأنه ببساطة كان يحاول الهروب بدافع الغريزة.
- أما محاولته الخروج من الجليد، فقد تكون بسبب أن جسده لم يكن قد فارق الحياة تمامًا عند إلقائه في النهر.
مهما كانت الحقيقة، فقد ساهمت طريقة موته الغامضة في ترسيخ صورته كأسطورة يصعب قتلها، مما جعل اسمه محفورًا في التاريخ حتى يومنا هذا.
ولكن، هل كان موته كافيًا لإنقاذ الإمبراطورية الروسية؟ الإجابة جاءت بعد أشهر قليلة فقط، عندما انهارت سلالة رومانوف وسقطت روسيا القيصرية، مما يؤكد أن اغتيال راسبوتين لم يكن نهاية القصة، بل مجرد بداية لفصل جديد من الفوضى.
راسبوتين في الثقافة الشعبية
صورته في الأدب والأفلام
بعد وفاته، لم تختفِ شخصية غريغوري راسبوتين، بل أصبحت رمزًا للغموض والقوى الخارقة في مختلف الأعمال الفنية والأدبية. سواءً في الكتب أو الأفلام أو حتى الأغاني، ظل راسبوتين شخصية تثير الفضول والإعجاب والخوف في آنٍ واحد.
- في الأدب: تناول العديد من الكتاب قصة راسبوتين من زوايا مختلفة، بعضها كان سردًا تاريخيًا لحياته، بينما صوره آخرون كشخصية أسطورية أو حتى شريرة تمتلك قوى سحرية. من أبرز الكتب التي تناولته:
- “Rasputin: The Untold Story” للكاتب جوزيف فورمان، الذي يحاول كشف الحقائق وراء الأساطير.
- “The Rasputin File” لإدوارد رادزينسكي، والذي يستند إلى وثائق تاريخية أصلية.
- في الأفلام والمسلسلات:
- ظهر راسبوتين في العديد من الأفلام، كان أولها فيلم صامت عام 1917 بعد مقتله مباشرة.
- فيلم “Rasputin and the Empress” (1932) قدمه كراهب شرير يسيطر على الإمبراطورة.
- في فيلم “Anastasia” (1997)، تم تصويره كـ شرير خارق للطبيعة يستخدم السحر الأسود، وهو من أكثر الصور الخيالية شهرة عنه.
- مسلسل The Last Czars (2019) على نتفليكس، الذي قدم قصة سقوط الإمبراطورية الروسية ودور راسبوتين فيها.
- في الموسيقى:
- من أشهر الأغاني التي تناولته، أغنية “Rasputin” لفرقة Boney M، التي تصور حياته بطريقة موسيقية شعبية، وتتحدث عن تأثيره وسحره الغامض.
النظريات والأساطير المحيطة به
تراكمت العديد من النظريات والأساطير حول راسبوتين على مر العقود، مما زاد من غموض شخصيته:
- هل كان يمتلك قوى خارقة؟
- يؤمن البعض بأن راسبوتين كان معالجًا روحانيًا حقيقيًا، وليس مجرد دجال، وأنه كان قادرًا على شفاء الناس بقوة الصلاة.
- بينما يرى آخرون أنه مجرد محتال بارع في التلاعب النفسي واستغلال الإيحاء لجعل الآخرين يعتقدون بقدراته.
- هل كان عشيق الإمبراطورة؟
- رغم انتشار الشائعات عن علاقة سرية بين راسبوتين والإمبراطورة ألكسندرا، لا يوجد دليل تاريخي قاطع يثبت ذلك.
- من المحتمل أن علاقتها به كانت علاقة روحية أكثر منها جسدية، لكنها ساهمت في خلق عداوات سياسية قوية ضده.
- هل تنبأ بسقوط آل رومانوف؟
- يُقال إن راسبوتين كتب في أحد خطاباته قبل مقتله:
“إذا تم قتلي على يد نبلاء روس، فلن تبقى العائلة المالكة على العرش أكثر من عامين.” - وبالفعل، بعد أقل من عام على اغتياله، تمت الإطاحة بسلالة رومانوف بالكامل، وتم إعدام القيصر وعائلته.
- يُقال إن راسبوتين كتب في أحد خطاباته قبل مقتله:
سواءً كان قديسًا أم دجالًا، ملاكًا أم شيطانًا، يبقى راسبوتين أحد أكثر الشخصيات غموضًا في التاريخ الروسي، ورمزًا دائمًا للنفوذ والخطر والسحر الذي لا يزال يؤثر على الثقافة حتى يومنا هذا.
الحقائق مقابل الأساطير
ما هو الحقيقي وما هو المبالغ فيه؟
شخصية غريغوري راسبوتين ظلت محاطة بالكثير من الغموض والأساطير، مما يجعل من الصعب التمييز بين الحقيقة والخيال. فيما يلي بعض أبرز المزاعم عنه، وما إذا كانت مدعومة بأدلة تاريخية أو مجرد مبالغات:
🔹 امتلاكه قدرات شفائية خارقة – مبالغة
- رغم أن بعض المصادر تؤكد أن راسبوتين كان قادرًا على تهدئة نزيف الأمير أليكسي، إلا أن التفسير العلمي لهذه الظاهرة قد يكون ببساطة أنه كان يطلب من الأطباء إيقاف إعطاء الأسبرين (الذي يزيد النزيف بسبب تأثيره على تخثر الدم).
- قد تكون حالته النفسية وتأثيره الكبير على الإمبراطورة جعلتها تؤمن بقدراته، لكنه لم يكن معالجًا بمعنى خارق للطبيعة.
🔹 سيطرته الكاملة على العائلة الحاكمة – مبالغة جزئية
- لا شك أن راسبوتين كان مؤثرًا جدًا على الإمبراطورة ألكسندرا، لكن القول بأنه كان يحكم روسيا في الخفاء غير دقيق.
- معظم قراراته السياسية جاءت عبر تأثيره على الإمبراطورة، وليس بشكل مباشر.
🔹 كان عشيق الإمبراطورة ألكسندرا – أسطورة غير مؤكدة
- لا يوجد دليل تاريخي يثبت وجود علاقة رومانسية أو جسدية بين راسبوتين والإمبراطورة، لكن معارضيه استغلوا هذه الإشاعة لتشويه سمعته.
- معظم المؤرخين يعتقدون أن علاقته بالإمبراطورة كانت روحية أكثر من كونها علاقة حب.
🔹 طريقة مقتله الغريبة والمبالغ فيها – حقيقة مع بعض المبالغات
- تشير التقارير الرسمية إلى أنه تعرض لإطلاق النار عدة مرات، لكنه لم يُظهر مقاومة خارقة للطبيعة كما تصف بعض الروايات الشعبية.
- قصة أنه نجا من التسمم وحاول الهروب رغم إصابته بالرصاص قد تكون تضخيمًا للأحداث، لكنه بالفعل تعرض لمحاولة قتل عنيفة قبل أن يُلقى في النهر.
نظرة المؤرخين الحديثة حول شخصيته
على مر الزمن، تطورت النظرة إلى راسبوتين بين شخصية شريرة مدمرة وراهب صوفي مضطهد. المؤرخون الحديثون يحاولون تقديم رؤية أكثر توازنًا:
📌 راسبوتين لم يكن مجرد دجال أو مشعوذ، لكنه كان بارعًا في التأثير النفسي والاجتماعي.
📌 لم يكن السبب الوحيد لسقوط آل رومانوف، لكنه كان عاملاً مسرّعًا بسبب نفوذه السياسي المثير للجدل.
📌 أغلب الشائعات حول حياته الخاصة تم تضخيمها من قبل أعدائه، خصوصًا من النبلاء والكنيسة الذين رأوا فيه تهديدًا لنفوذهم.
📌 لا يوجد دليل قاطع على أنه كان يمتلك قدرات خارقة، لكن تأثيره القوي على من حوله كان حقيقيًا.
راسبوتين كان شخصية استثنائية تركت أثرًا عميقًا في التاريخ الروسي، وبينما تحيط به العديد من الأساطير، فإن الحقائق تكشف عن رجل ذكي، غامض، مثير للجدل، ولكنه ليس بالضرورة ذلك الشرير الخارق كما تصوره بعض الروايات.
لا يزال راسبوتين رمزًا للغموض والنفوذ المريب، وسيبقى اسمه محفورًا في الذاكرة التاريخية كواحد من أكثر الشخصيات إثارة للجدل في التاريخ الحديث.
ختاما: راسبوتين بين الحقيقة والأسطورة
قليلون هم الأشخاص في التاريخ الذين أثاروا هذا الكم من الجدل والغموض مثل غريغوري راسبوتين. فبينما يراه البعض راهبًا زاهدًا يمتلك قوى روحية، يراه آخرون محتالًا داهية استغل نفوذه لأغراض شخصية. الحقيقة، كما هو الحال غالبًا، تقع في المنتصف.
من فلاح بسيط في سيبيريا إلى واحد من أكثر الشخصيات تأثيرًا في البلاط الإمبراطوري الروسي، شكّل صعود راسبوتين وهبوطه جزءًا من الفوضى التي سبقت سقوط آل رومانوف. لم يكن السبب الوحيد لانهيار الإمبراطورية الروسية، لكنه كان رمزًا للفساد والفوضى السياسية التي أدت إلى الثورة البلشفية.
وبين الحقائق المثبتة والأساطير التي نسجتها مخيلة الناس، يبقى راسبوتين شخصية خالدة في الذاكرة الشعبية—رجل لم يكن مجرد مستشار للعائلة المالكة، بل لغزًا حيًا لم يُحل بالكامل حتى يومنا هذا.
الأسئلة الشائعة عن راسبوتين
هل كان راسبوتين يمتلك قدرات خارقة؟
لا يوجد دليل على أن راسبوتين كان يمتلك قدرات خارقة، لكن تأثيره على الآخرين قد يكون ناتجًا عن الإيحاء النفسي.
هل كان راسبوتين الحاكم الفعلي لروسيا؟
لم يكن حاكمًا فعليًا، لكنه كان يتمتع بنفوذ قوي على الإمبراطورة ألكسندرا، مما أثر على القرارات السياسية.
هل كانت علاقته بالإمبراطورة علاقة رومانسية؟
لا يوجد دليل على علاقة رومانسية؛ كانت علاقته بها روحية بسبب إيمانها بقدراته العلاجية.
كيف نجا راسبوتين من محاولة اغتياله الأولى؟
الروايات تذكر أنه نجا من التسمم وإطلاق النار، لكن قد تكون بعض التفاصيل مبالغًا فيها.
لماذا لا يزال راسبوتين شخصية مثيرة للجدل؟
لأنه يمثل مزيجًا من الغموض والتأثير، مما جعله رمزًا ثقافيًا في الأدب والأفلام.